الجزاء العادل

سلسلة آية وحكاية

واحة الطفولة » واحة الأخلاق
29 - رجب - 1433 هـ| 19 - يونيو - 2012


1

سنتعرف اليوم يا أبنائي الأحباب على قصة مليئة بالمعاني الجميلة والأحداث المثيرة، حتى إنه نزلت بسببها آية من القرآن الكريم. فتعالوا نسمع الحكاية من بدايتها:

تعلمون أن قريشًا قررت بعد هزيمتها في غزوة بدر الكبرى، أن تثأر لنفسها وتنتقم من المسلمين جميعًا، فجمعت جموعها، واستعدت بكل قوتها للمعركة الجديدة، حتى إن كثيرًا من نساء قريش خرجن مع الجيش ليشجعن أزواجهن على قتال المسلمين، وحتى يخجل رجال قريش من الفرار أمام المسلمين، أو الرجوع دون تحقيق الانتصار، وكان لبعض هؤلاء النساء رغبات انتقامية بشعة.

     وعند جبل أُحُدٍ هاجم الكفار المليئون بالحقد والغضب الأعمى، والرغبة المتوحشة في الانتقام، هاجموا المسلمين، ولكن المسلمين ثبتوا وأظهروا من القوة والبسالة ما جعل المشركين يبدءون في الفرار والهرب.

وهنا حدث خطأ عسكري كبير من المسلمين، حيث غادر رُماة المسلمين (الذين يطلقون السهام) أماكنهم فوق جبل أُحُد، وكان النبي r قد أمَرَهم ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث حتى تنتهي المعركة، وذلك للدفاع عن ظهور المسلمين، ولكن الرماة حين رأوا بداية هزيمة المشركين وفرارهم، نزلوا لجمع الغنائم ظنًّا منهم أن المعركة انتهت تمامًا، فلمَح قائد جيش المشركين هذه الفرصة، وهاجم جيش المسلمين من الخلف مُستغلاًّ خطأ الرُّماة، فاضطربت صفوف المسلمين بسبب الهجمة غير المتوقعة من الخلف وارتبكوا، بينما عادت الثقة لجنود جيش الكفار الأشرار.

وفي هذه الأثناء، كان هناك عبدٌ أسود اسمه وَحْشيُّ بن حَرْب يختبئ منتظرًا فرصة مناسبة  لقتل القائد المُسلم حمزة بن عبد المطلب t- عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد أبطال المسلمين الأشداء، والذي كان النبي يسميه: أسد الله، بسبب قوته وشجاعته- فلماذا يريد وحشي قتل حمزة؟

يقول وحشي: لما سارت قريش إلى أُحُد قال جُبير بن مُطعِم لي: إن قتلتَ حمزة- عم محمد- فأنت حر. قال وحشي: فخرجتُ وكنت حبشيًّا أقذف بالحَرْبة قذْفَ الحبشة قلَّما أُخطِئ بها شيئًا، فلما التقى الناس خرجت أنظرُ حمزة حتى رأيتُه في عرض الجيش مثل الجَمَل يَهدُّ الناس بسيفه هدًّا ما يَقومُ له شيء.

(ويقصد حبشي بذلك أن حمزة كان بطلاً شجاعًا لا يستطيع أحد من كفار قريش أن يقف أمامه إلا انهزم سريعًا أو سقط صريعًا).

ثم يكمل وحشي كلامه فيقول: فو الله إني لأتهيأ له وأستخفي (أي أختبئ) منه بحجر أو شجر ليدنو (أي ليقترب) من مكاني، إذْ تقدمني إليه سِباع بن عبد العزي، فلما رآه حمزة ضرَبه، فو الله ما أخطأ حمزة رأسَ سِباع فقتله، فهززت حربتي، ثم دفعتُها تُجاه حمزة، فوقعت في أسفل بطنه حتى خرجت من بين رجليه، فأراد حمزةُ أن يصل إليَّ فلم يقدرْ، فتركتُه حتى مات.

 ثم أتيته فأخذتُ حربتي، ثم رجعتُ إلى الناس، فقعدت في المعسكر، ولم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأصير حُرًّا.

أما نساء المشركين، فصِرْنَ يتنقلن بين قتلى المسلمين، ويُعبرن عن غيظهن وحقدهن وكرههن بقطع أنوف المسلمين وآذانهم، ويبقرن (أي يفتحن ويشققن) بطون قتلى المسلمين، حتى إن إحداهن شقت بطن حمزة عم النبي r وأسد الله، وأخرجت كبده، وأرادت من شدة غيظها منه أن تأكلها، فلما لم تستطع، رَمْتَها.

    ولما انتهت المعركة رأى المسلمون ما حلَّ بإخوانهم من تشويه، فأقسموا أن يفعلوا بالمشركين أكثر مما فعل المشركون بالمسلمين، وقالوا: لئن أظفرنا (أي نصرنا) الله (سبحانه وتعالى) عليهم؛ لنزيدن على صنيعهم، ولنُمثِّلنَّ بهم مُثْلةً لم يُمثِّلها أحد من العرب بأحد قط، ولنفعلن ولنفعلن.

(يعني المسلمون بذلك أنهم يريدون الانتقام لحمزة (رضي الله عنه) بأن يفعلوا بقتلى الكفار في المرة القادمة ما فعلته نساء الكفار بقتلى المسلمين من تشويه وقطع الأطراف وشق البطون).

أما النبي r، فإنه لما رأى كيف شوَّه المشركون والمشركات عمه شهق ألمًا، ثم قال: رحمك الله يا عم، فلقد كنت وَصُولاً للرحم (أي كثير العناية والرعاية والزيارة لأقاربك)، فَعُولاً للخيرات (أي كثير الفعل للخير)، فو الله لئن أظفرني الله بالقوم لأُمثِّلن بثلاثين منهم.

فكان هذا سببًا لنزول قول الله (سبحانه وتعالى) في القرآن: )وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ(سورة النحل: 126.

والمعنى: وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلموكم واعتدوا عليكم، فعاقبوهم بمثل ما فعلوا بكم من الأذى فقط، وإن صبرتم ولم تعاقبوه، واحتسبتم عند الله ثواب صبركم، فهو خير لكم، وأعظم لأجركم.

فلما نزلت هذه الآية وعلم النبي r أن الصبر خير وأفضل، سارع قائلاً: "نصبر ولا نعاقب".

وبذلك ضرب لنا النبي r أعظم المثل والقدوة في العفو وكظم الغيظ، والصبر على البلاء، وقد تعلم الصحابة (رضي الله عنهم) الدرس، فعفَوا وسامحُوا هم أيضًا، فهل نقتدي بهم، ونكون من أهل العفو والصفح والصبر؟

أما إذا لم نستطع العفو، فعلينا أن نكون مُنصِفين عادِلين، فلا نُعاقب من أخطأ في حقنا بأكثر ممَّا ظلمنا، ولا نأخذ ممَّن اعتدى علينا، أو نهَب أو غصَب منا شيئًا بأكثر مما أخذ منا.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- - الأردن

12 - محرم - 1434 هـ| 26 - نوفمبر - 2012




الجزاء العادل هو مسؤولية الانسان عند عمله

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...