رحلة البحث عن السعادة

عالم الأسرة » همسات
08 - جمادى الآخرة - 1435 هـ| 09 - ابريل - 2014


1

 

 

يتفق الناس جميعا في أمر واحد، وهو البحث عن السعادة، وإن اختلفت وسائلهم وسبلهم في هذا الموضوع، أما المؤمن العابد المطيع فيسعى جاهدا للقيام بعباداته على أكمل وجه، دون تقصير أو تراخٍ ويتقرب بالنوافل جبرا للفرائض وزيادة في الثواب والخير.

 ويحاول المؤمن أن يوازن بين الأوامر الإلهية والتعليمات النبوية فيتبعها وما تمليه عليه نفسه أو ما يوسوس له به شيطانه فيجتنبه؛ خشية لربه، وطمعا فيما عنده من جنات النعيم، ولعلمه أن الدنيا مزرعة الآخرة وأنها دار مؤقتة، والآخرة وما فيها من جنة الخلد هي الدار الباقية.

 وأما الكافر والعاصي أو من لا يعترف بيوم القيامة أو بالدار الآخرة، فيعمل ليلا ونهارا من أجل الحصول على السعادة ـــ من وجهة نظره ـــ بكل ما أوتي من قوة لا تحجبه قواعد أو قوانين أو مبادئ أو أخلاق، ويراها في الأطعمة والأشربة والملذات والسفر والسياحة، لا شيء محرم أمامه، أو ممنوع، فالدنيا هي جنته، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"رواه مسلم.  فالمؤمن في سجن في هذه الدنيا بالنسبة لما أعده الله له في الجنة، وهوان الدنيا وحقارتها، والفوز الحقيقي هو الفوز بالجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وإذا كان الكافر قد ضل طريقه، وابتعد عن سواء السبيل أو الطريق المستقيم الذي يهديه إلى الجنة ويبعده عن النار، واتبع السبل التي أضلته وتفرقت به، ونتحمل نحن المسلمين جزءا من عدم هدايته أو دعوته للإسلام، فمن باب أولى أن ندعو المسلمين المقصرين إلى الإسلام الصحيح الذي كان عليه الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ وصحابته الكرام ــ رضوان الله عليهم ــ والسلف الصالح.

 ونطرح سؤالا يلوح في الأفق أمامنا: لماذا كانوا سعداء رغم تواضع الإمكانات التي لديهم، ونحن لا نشعر بالسعادة ولا نذوق لها طعما إلا قليلا رغم تنوع ما لدينا من إمكانات؟!

نقول إن السعادة لديهم كانت في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عمل يخدم هذا المعنى، وكانوا يؤمنون بأن الرزق بيد الله وحده، وإنما عليهم فقط السعي له، وتمام التوكل عليه، والرضا بما قسمه الله لهم دون حسد أو غل أو حقد؛ فالفقير راضٍ بما لديه رغم ندرته أو قلته، والغني يراعي حق الله فيما آتاه من رزق، ويخرج ما عليه من زكاة. إضافة إلى الصدقات تطهيرا لماله وتوسعة على إخوانه المسلمين من الفقراء. والكل يعيش سعادة الإيمان التي لا تعدلها سعادة قط، والناس سواء لا فضل لمسلم عربي على مسلم أعجمي، ولا فضل لغني على فقير. ومقياس التفاضل بينهم التقوى والعمل الصالح، قال الله تعالى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"{سورة الحجرات ـــ من آية 13}.

وصدق الشاعر حين قال:

 يا أخي المسلم فـي كل مكـان وبلــد                     أنت مني وأنا منك كـروح في جسد

 وحدة قد شادها الله أضاءت للأبــــد                      وتسامت  بشعار  قل  هو الله أحد

يا أخي المسلم والإسلام دين للإلــه                       في حماه قد تساوى كل فرد بسواه

فبلال كعلي ليـــس من فــرق تــراه                    كلنا لله عبــد ولــه تعنــــو الجبـــاه

أما المسلمون في عصرنا الحاضر، فتفرق وتمزق وحقد وحسد وتعالٍ وتكبر وغرور ــ إلا من رحم الله ـــوضاعت الألفة والمودة والرحمة بين الناس، وكل واحد تهمه نفسه أولا! وقبل كل شيء "أنا ومن بعدي الطوفان" و"ما يحتاجه بيتك يحرم على المسجد" كما يقولون، فلا إيثار ولا إحساس بالمسلمين من حوله، وإن حدث فيكون بمجرد الكلام فقط و"مصمصة الشفاه" دون تقديم دعم مادي أو بدني أو تحمل الهم والسهر عليه والعمل على حله بما يملك من إمكانات حتى لو كانت يسيرة. فهل هذا يعني الإخوة في الإسلام التي هي أعظم من الإخوة في النسب والرحم؟!

كيف نرجو السعادة، ونتمنى الحصول عليها وحالنا هكذا؟ فمن أراد شيئا بذل كل ما لديه من غال ونفيس من أجل الحصول على ما يريد، وأخذ بالأسباب كافة التي تكون جسرا إلى تحقيق هدفه المأمول ما دامت شريفة مباحة ليس في الأخذ بها أي مخالفة شرعية.

وعلى كل مسلم محب لدينه أن يوثق عرى المحبة والأخوة في الإسلام بينه وبين إخوانه، من أجل الوصول إلى مجتمع مسلم سوي، ومحاولة تكرار ما كان لدى السلف الصالح من علاقات وأواصر سادت مجتمعهم، وارتفعت بهم إلى عنان السماء، وجعلتهم قدوة لغيرهم ومن قبلهم طبعا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، حتى نسعد مثلهم، ولنعلم جميعا أن الدنيا دار عمل وابتلاء واختبار، حتى نجد ثمرة ما عملناه في دنيانا من أعمال صالحة في الآخرة، ويكون جزاؤنا الجنة ــ إن شاء الله ــ.

فمن أراد السعادة الحقيقية فعليه أن يتزود لها بخير زاد، من العبادات والطاعات، فحياته كلها لله، يذكر الله في كل وقت، وقبل كل عمل، وينوي بأعماله طاعة الله ورضاه، ويخلص فيها ولا يركن إلى كلام الناس من مدح أو قدح، فعمله خالص لله، بعيدا عن الرياء والسمعة، فهنيئا لمن فعل ذلك وداوم عليه، وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" متفق عليه.

يقول أبو العتاهية:

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها      إن السفينة لا تجري على اليبس

فهل يفيق كل منا من غفلته قبل فوات الأوان؛ ليوازن بين ما ينفعه وما يضره في الدنيا والآخرة؟! فالدنيا عمل ولا حساب، والآخرة حساب ولا عمل، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم.

وما أجمل قول الحطيئة:

وَلَستُ أَرى السَعادَةَ جَمعَ مالٍ             وَلَكِنَّ التَقيَّ هُوَ السَعيدُ

 وَتَقوى اللَهِ خَيرُ الزادِ ذُخـراً                وَعِندَ اللَهِ لِلأَتقى مَزيدُ

 وَما لا بُدَّ أَن يَأَتي قَريــــــبٌ             وَلَكِنَّ الَّذي يَمضي بَعيدُ

وأختم مقالي داعيا المولى عز وجل، أن يسعدنا جميعا في الدنيا ولآخرة، وأن يوفقنا لما فيه سعادة مع رضا الرحمن، وأن يبعد عنا الهم والغم والحقد والحسد والبغضاء. وأن يؤلف ذات بيننا، وألا يجعل للشيطان حظا بيننا، وأن يرد المسلمين إلى دينه ردا جميلا، وأن يسعدهم ويحفظهم وينصرهم نصرا عزيزا مؤزرا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أبو الرجال - السعودية

08 - جمادى الآخرة - 1435 هـ| 09 - ابريل - 2014




السعادة وراحة البال في رضا الرحمن ... جزاك الله كل الخير على هذا المقال وأدعو الله أن يسعد عباده المسلمين بهداه وتقواه والبعد عن المعاصي الزلات

-- عمر باناجة - السعودية

09 - جمادى الآخرة - 1435 هـ| 10 - ابريل - 2014




من أراد شيئا بذل كل ما لديه من غال ونفيس من أجل الحصول على ما يريد، وأخذ بالأسباب كافة التي تكون جسرا إلى تحقيق هدفه المأمول ما دامت شريفة مباحة ليس في الأخذ بها أي مخالفة شرعية.
معنى صحيح ليتنا نبذل بجد و إخلاص كي نصل .
شكرا كاتب المقال .

-- الصقر - السعودية

09 - جمادى الآخرة - 1435 هـ| 10 - ابريل - 2014




السعادة الحقيقية في عودة المسلمين إلى دينهم والعمل بالقرآن والسنة وما كان عليه سلفنا الصالح حتى نسعد كما سعدوا وتهون عندنا الدنيا من أجل النعيم الدائم في الاخرة

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...