شتان بين العقوق والبر!

واحة الطفولة » واحة الأخلاق
07 - جمادى الآخرة - 1438 هـ| 06 - مارس - 2017


1

كان للجدران صدًى حزينٌ بخلاف عادتها. وكأن ردهات - دار رعاية المسنين - استجابت لصوت الأب بخشوع، كلماته قوية في عجز وألم (حسبي الله عليك ونعم الوكيل)، ينقاد الابن لزوجته، دون تدبر أو وعي، يسعى بخطى متسارعة مدفوعا نحو باب الدار صامًّا أذنيه لكيلا يسمع صوت والده. أخيرا تخلص منه، وأخيرا تنفست زوجته الصعداء، لقد كان كابوسا جاثما على صدرها!


        أن يلقي رجل أباه بهذا الشكل المهين في دارلرعاية المسنين. هوبحق حدث مزلزل لكل كيان حي، ينبض بالولاء لوالد كان سببا هو ووالدة بعد الله ـ تعالى ـ في خروج هذا الابن العاق للدنيا، وعلى الرغم من ذلك قابل هذا الفضل بعقوق وجحود لم يُعهد من قبل.


        أقبل الليل على الأب في دار المسنين ــ لأول مرة في حياته ـ وكأنه أرخى سدوله على ستار مشهد تراجيدي مؤلم إلى حد الأسى والمرارة، وكأن هذا الأب أُودِعَ في قفص حديدي داخل سجن ضيق الغرفات، قريب السقف في صمت لم يقطعه سوى تنهيدة حارة، تكاد تزهق روحه معها.

لم يُطق الأب هذا الوضع المهين، وتكالبت عليه الظنون والأوهام والخيالات المرعبة، وأخذت دقات قلبه تعلو وتهبط، وكأن صخرة كبيرة وضعت على صدره، فلم يجد سبيلا لزحزحتها أو كسرها.

فجأة استيقظ مَنْ بالدار على صراخ. يا إلهي ماذا حدث؟. إنه صوت يأتي من ناحية غرفة الوافد الجديد، والد الابن العاق، أغيثونا، الإسعاف. وجاء المسعفون، ولكن لم تُجْدِ محاولاتهم لإفاقته. فقد كان قد فارق الحياة، وفاضت روحه إلى بارئها بعد سُويعات من إيداعه دار المسنين.

صاح الجميع: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، الله يرحمه ويغفر له.

اتصلت إدارة الدار بالابن كي يدفن والده، ويقوم بعمل اللازم، ولكن كان رد الابن صادما لهم، حيث قال لهم ادفنوه أنتم، فأنا على سفر! وأغلق الهاتف في وجه المتصل الذي ذرفت عيناه بالدموع، مرددا (حسبي الله عليك، ليتك لم تأت للدنيا. لم ترحم أباك حيًّا ولا ميِّتا. بئس الابن أنت!).

وعلى النقيض تماما من ذلك العقوق، يأتي ابنٌ لأحد موظفي دار المسنين في هذا اليوم نفسه، الذي لم تنسه الدار بمن فيها، كي يطمئن عليه كعادته، فيقبِّل يده ورأسه، ويدعو له بالصحة وطول العمر في طاعة الله، ويجلس معه يساعده في بعض أعماله في مشهد يأسر النفس للبر بالأب المكافح، الذي أحسن التربية حتى تخرج ابنه في كلية الطب، وعلى الرغم من ذلك لم يتكبر أو يتعالَ على والده، بل يزوره دائما ويحنو عليه وفاء لبعض ما قدمه هذا الأب الكريم.

كان قدوم هذا الابن البار في هذا اليوم بالذات تخفيفا لوطأة ما جرى من أحداث متسارعة عجيبة، كادت أن تودي بحياة مَن في الدار جميعا. 

شتان بين موقفين متناقضين تماما للعقوق والبر بالوالدين، فالموقف الأول يشيب لهوله الرأس، بينما الموقف الآخر يجعل الإنسان يردد: "ما زالت الدنيا بخير" وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما قال: "الوالد أوسط أبواب الجنة"(رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه، ورواه ابن ماجه وصححه الألباني).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...